أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
43
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
يقتنيه من المعارف ؛ فهو كالحفظ ؛ إلا أنّ الفرق بينهما أنه يقال باعتبار حضوره بالقلب وباللسان . ومنه قيل : الذكر ذكران : ذكر بالقلب وذكر باللسان . وكلّ منهما على نوعين : ذكر عن نسيان وذكر لا عن نسيان بل يقال باعتبار إدامة الحفظ . وعلى هذه الأنواع مدار جميع الآيات ، كما ستمرّ بك مفصّلة . قوله : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ « 1 » أي أهل العلم من كلّ أمة . وقيل : أهل القرآن . وقيل : أهل الكتب القديمة ، يعني ممّن آمن . قوله : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا « 2 » . فالذّكر هنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، جعله نفس الذكر مبالغة أو على حذف مضاف ، وعبّر عن البعث بالإنزال تشريفا له فيكون رسولا بدلا من ذكر ، أو قيل : الذكر هو وصفه عليه الصلاة والسّلام من حيث إنه مبشّر به ومذكور في الكتب القديمة « 3 » . وهذا كما جعلت الكلمة وصف عيسى من حيث إنه وجد بها من غير واسطة أب كما هو المتعارف . وعلى هذا ف « رسولا » بدل أيضا . وقيل : بل « رسولا » نصب بنفس « ذكرا » « 4 » أي أنه ذكر « رسولا » والمراد بشارة الكتب به . قوله : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ « 5 » هذا من الذكر اللسانيّ ، والمراد به التكبير في أيام التّشريق والتهليل فيها وغير ذلك . قوله : فَاذْكُرُونِي « 6 » يحتمل ذلك ، ويحتمل امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، ويؤيّده : أَذْكُرْكُمْ أي برحمتي فهو من المقابلة كقوله : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ « 7 » فاتّفق اللفظ واختلف المعنى . قوله : وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ « 8 » يجوز أن يراد التذكير فحذف زوائد المصدر ، وأن يراد الشرف . قوله : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ « 9 » القرآن لقوله : وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ
--> ( 1 ) 7 / الأنبياء : 21 . ( 2 ) 10 و 11 / الطلاق : 65 . ( 3 ) الكلام وصف لعيسى عليه السّلام ، كما يأتي . ( 4 ) وفي الأصل : ذكر . ( 5 ) 203 / البقرة : 2 . ( 6 ) 152 / البقرة : 2 . ( 7 ) 54 / آل عمران : 3 . ( 8 ) 1 / ص : 38 . ( 9 ) 8 / ص : 38 .